الخميس، 7 نوفمبر 2013

نهاية أسطورة المجهول

أيُّ رحلةٍ هذه !!
قد مرَّ عليها ألفيّ شروق ومثلهم من الغروب..
(( مشهد أول ))
إستيقَظتُ من نومٍ عميق..
سَافَرتُ عبرَ البلدان..
عَرفتُ آلاف الرجال, والنساء, والوِلدَان..
عُدتُ أدراج وطني من بلادٍ سحيقة..
أجهَلُها, وأنسى ما دار في كلِّ دقيقة..
أبحَثُ عن بيتي فلا أجِده, أنبِشُ خَلْفَ عُمرٍ ضاع فلا أُدرِكُه..
إستأجَرتُ بيتاً لا أعرِفُه..
حذَّروني منه, ولكن ما بَقيَ لي من عُمْرٍ كي أستَنزِفُه..
كان لي فيه صديقان, أجهَلهُما..
زياراتٌ من أُناسٍ قد رحَلوا عن عالمي..
أُناسٍ قد كانوا لي أقرَب من نَفسي ودمي..
صرخَةٌ مَكتومة من أَمامِ غُرفَة المنام..
أُنثى مُمَدَدة فَوق فِرَاشٍ من الأحزان..
رَاحِلَةٌ من عالمِ النسيان, إلى عالمِ الأوهام..
صَرْخَةٌ آتِيَةٌ من جِوَاري: "قتيلة!!"
وما باليَّدِ من حِيْلَة!!
الفَزَع .. يَجُوبُ أطرافَ المكان..
والدَهْشَةُ تَطْرِقُ أوصالي..
كَيفَ لِقَتيلَةٍ مجهُولَةٍ أن تَقتَحِم غُرفَتي دون إدرَاكي !!
قَتيلَةٌ مَجهُولَةٌ حتى - للغُربَاء - أصدقائي..
رَاحِلَةٌ مُنْذُ أيَّام..
أَنَّىَ لِقَتيلةٍ مُنذُ فِترَة بِجَسدٍ سَليمٍ كَهَذا ؟!
أهِيَ إنسيَّــةٍ أم ماذا ؟!
تَرَكت مسرح الجريمة..
أبحَثُ عن أدِلَّةٍ ذاتَ قِيمَة..
أوقاتٌ أليمَة..
أفكَارٌ بالية قديمة..

(( مشهد ثانٍ ))
إجتِمَاعٌ خَطير..
والجَمع اليَومَ غَفير..
مكانٌ مُغلَق, تُحيطُ نَوَافِذه الحَدَائق والأشجار..
لَحَظاتٌ قليلةٌ قَبلَ الإِنفِجار..
عَينٌ تَحمِلُ من الشَرِّ ما تَحمِلُه..
وأَيدٍ بِهَا من الخيرِ ما يُقاوِمُ شرَّ العَينِ فَتُعَادِلُه..
نَظَرتُ بِعَيني إلى الجُدرانِ..
فَتَحَرَّكَت بِدَاخِلِ المَكَان..
حالةٌ منَ الهَلإَعِ إجتاحَت القُلُوب..
والدَهشَة قَد إِعْتَلَت عيني لِتَخَبُّطهم في الدُروب..
لَوّحتُ بِيَديَّ في الهواء, فَعَادَت الجُدرَان أَدرَاجها بينَ الغُرفَةِ والفِناء..
فجأة !!!
إتَّسَعَت هُوَّة في مُنتَصَفِ المَكَان..
خَرَجَ مِنْها - مُثيراً للفَزَع - ثُعبَان..
أَهَذا دَربٌ من الأحلام !!!
أم إنّني غَارِقٌ في بَحرٍ من الأوهام!!
تستمرُّ حالة الهَلَع..
أَرى بَأُمِّ عيني إمرأة قد تَمَزَّقَ كتفها وإنخَلَع..
.. واختَفَى الثُعبان ..
حَالَةٌ من الترَّقُبِ تَجوبُ كل الأركان..
تَنبَثِقُ شَجَرَة مُخيفة من هُوَّةِ النِسيان..
تَدنُو بِجذورِها فَوقَ أرضيَّةِ المكان..
تَرفَعُها عالياً, ثُمَّ تَغرِزُها فَوقَ الأقدام..
تُحَوِّلَهُم إلى جذوعٍ تَلتَحِم بِشَجَرَةِ الشَيطَان..
نَتَقافَزُ أنا ومَن بَقِيَ من الجَمْعِ فوقَ جذورِها, مِن أجلِ فُرصَةٍ أُخرى نَحياها في عالَمِ الإِنسان..
نَدورُ حَولَها كالمتعبِّدين في مِحرابِ الحياة..
راغِبينَ في دُنيا تَعِيشُنا, ولا نَعِش منها سوى قَدْرٍ بِحَجمِ ذَرَّاتِ المياه..

(( مشهد ثالث ))
صَمتٌ مُطبِق خارج الغرفة المَلعُونَة..
لم أجد نَفسي - أخيراً - جُزءاً من تِلك اللحظات المَجنُونَة..
أُناسٌ يرتَدون حُللاً بيضاء..
وجوهٌ يشعّ مِنها الضِياء..
أَرَاني في الساحةِ الكَبيرة هادِئاً كَبُحَيرَةٍ لَم يَزُرها يَوماً مطرٌ لَم يَمُرّ بِها أَبَداً شِتاء..
أنطِقُ شهادةً عَلَى أيديهم, أُتْبِعُها بِركُوعٍ وسجود..
توَّقَفَت الشَجَرَة عن الدَوَرَانِ والصُعُود..
الآن .. والآن فَقَط زالت كُل الشُرور..
الآن فَقَط, قد عَرِفت من هيَ القَتيلة و تَوَّقَفَ عقلي عن الشُرُود..
تَوَّقَفَت عن التيهِ العُقول..
وانتَهَت أسطورة المَجهُول !!!